أحمد الشرباصي

76

موسوعة اخلاق القرآن

الغزالي يقول عن التواضع : « اعلم أن هذا الخلق كسائر الأخلاق ، له طرفان وواسطة ، فطرفه الذي يميل إلى الزيادة يسمّى تكبرا ، وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمّى تخاسسا ومذلة ، والوسط يسمى تواضعا ، والمحمود أن يتواضع في غير مذلّة ، ومن غير تخاسس ، فإن كلا طرفي الأمور ذميم ، وأحب الأعمال إلى اللّه أوساطها . فمن يتقدم على أمثاله فهو متكبر ، ومن يتأخر عنهم فهو متواضع ، أي وضع شيئا من قدره الذي يستحقه ، والعالم إذا دخل عليه إسكافي فتنحى له عن مجلسه وأجلسه فيه ، ثم تقدم وسوّى له نعله ، وغدا إلى باب الدار خلفه فقد تخسس وتذلل ، وهذا أيضا غير محمود ، بل المحمود عند اللّه العدل ، وهو أن يعطي كلّ ذي حق حقّه . فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأقرانه ومن يقرب من درجته ، فأما تواضعه للسوقي فبالقيام ، والبشر في الكلام ، والرفق في السؤال ، وإجابة دعوته ، والسعي في حاجته ، وأمثال ذلك ، وألا يرى نفسه خيرا منه ، بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره ، فلا يحتقره ولا يستصغره ، وهو لا يعرف خاتمة أمره . ومتى صدق الإنسان في تواضعه ، وجعله وسطا معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط ، حقق اللّه له من الثمرات ، بمنافع ما يحرمه الغافل المتكبر ، فبالتواضع يصلح القلب ويطهر ، ولذلك جعل أبو عثمان الحيري النيسابوري التواضع أحد أربعة أمور يصلح بها القلب فقال : « صلاح القلب في أربع خصال : في التواضع للّه ، والفقر إلى اللّه ، والخوف من اللّه ، والرجاء في اللّه » وكذلك ينال المتواضع عفو اللّه ورحمه ونعمته ، ولذلك قال يوسف بن الحسين الرازي : « الخير كلّه في بيت ، ومفتاحه التواضع ، والشر كله في بيت ، ومفتاحه التكبر ، ومما يدلك على ذلك أن آدم عليه السّلام تواضع في ذنبه ، فنال العفو والكرامة ، وأن إبليس تكبر فلم ينفعه شيء » . وهذا يذكّرنا بما جاء في كتاب « نهج البلاغة » للإمام علي ، إذ يقول في